تلخيص الفصل الثالث من كتاب: "المستشرقون والقرآن الكريم" للدكتور محمد بهاء الدين حسين
الفصل الثالث: المستشرقون والقراءات القرآنية.
المبحث الأول: الطعن في نزول القرآن الكريم على سبع أحرف.
لقد استغل المستشرقون حديث نزول القرآن
على سبعة أحرف، ووجدوا منه خير منفذ للدخول في البحث عن الثغرات المدعومة في
القرآن، ووصل الأمر بهم إلى زعم أنه كان للقرآن صيغ عديدة، أسقطت عدا واحدة هي
التي كتب بها مصحف عثمان ، بل وصل التخريف ببعضهم إلى القول: إن المسلمين أضاعوا
على الناس معرفة ما كان في الحروف والصيغ الأخرى من تباينات وتناقضات، في حين أن
الإنجيل نزل على أربعة أحرف تمثلت في أناجيل متى ومرقس ولوقا ويوحنا، ولم يكن فيها
ما يخشاه النصارى من تناقض وتباين فاحتفظوا بها كما نزلت، كشهادات متعددة على صحة
الانجيل، واتفاق معانيه مع اختلاف ألفاظه.
إن هذه الادعاءات التي أتى بها هؤلاء ليست
بجديدة، فقد أثارها الملحدون من قبلهم، والمستشرقين قد اطلعوا على هذه المزاعم
فأرادوا استئنافها على أمل أن يتمكنوا من التشكيك في أمر القرآن وسلامة نصه، ولكن
هيهات أن ينالوا منه ما دام هناك حق و أهله، وحقيقة وطلابها، فالزعم بأن للقرآن
صيغا عديدة أسقطت عدا واحدة منها، باطل من أساسه، فلم تكن هناك صيغ بل كانت قراءات
وأحرف، وأن الاختلاف بينها لم يكن اختلاف تناقض وتباين، بل اختلاف تنوع في طرق
أداء القرآن، والنطق بألفاظه، وبشرط التلقي فيها عن الرسول صلى الله عليه وسلم،
فأين التناقض المزعوم بين تلك الأوجه؟ فالزعم بأن للقرآن سبع نسخ أضاعها المسلمون،
لما بينها من التناقض والتباين إلا نسخة واحدة أثبتوها، وأن للإنجيل أربع نسخ، وكل
نسخة شهادة مستقلة على صحته وصدقه، زعم باطل، وادعاء يبعث على الضحك والسخرية من
مدعيه، يتناسى هؤلاء أن هناك فرقا شاسعا بين القرآن وأناجيلهم، من حيثيات عدة،
سواء من حيث الثبوت والتلقي والنقل، ومن حيث التدوين، ومن حيث المضمون، وهذه حقيقة
لا يخفى أمرها على أحد، وهذه محاولة يائسة في إيهام الآخرين بأن الإنجيل أثبت نصا،
وأصح نقلا من القرآن، متناسين أن كل نسخة من الأناجيل إنما هي بمثابة شهادة زور مرفوضة،
وصاحبها لم يتلقوها من السيد المسيح، كما كان عليه الأمر بالنسبة إلى القرآن الذي
تلقى مباشرة من الرسول صلى الله عليه وسلم حفظا وكتابة،وليس هناك حرف من الأحرف
السبعة أخفي عن المسلمين أومنعوا من القراءة به، كما يزعم المعرضون، ولو فعل ذلك لاستنكره
الصحابة، لو وقع هذا لنقل، فلما لم ينقل دل ذلك على بطلانه.
إن عقد أية مماثلة بين القرآن والإنجيل
أو التوراة، يعد خروجا على الحقائق التاريخية، وقد اعترف المستشرقون المنصفون بأن
القرآن لا يضاهيه أي نص آخر، من حيث الثبوت والصحة، منهم المستشرق الأمريكي
ف.بودلي والمستشرق موريس بوكاي.
أولا: نزول القرآن على سبعة أحرف
وأدلته:
لقد نزل القرآن على سبعة أحرف، وأن
حديث نزوله على سبعة أحرف من رواية الصحابة،وقد نص الإمام القاسم بن سلام على
تواتره،وفيما يأتي مجموعة من الأحاديث الواردة في نزول القرآن على سبعة أحرف:
1. عن
أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:( أنزل القرآن على سبعة أحرف(
2. عن
ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أمرت أن أقرأ القرآن على سبعة
أحرف كلها شاف كاف(
ثانيا: المراد بالأحرف السبعة
الواردة في الحديث:
قال الطبري في معنى الأحرف السبعة:
إن اختلاف الأحرف السبعة إنما هو اختلاف ألفاظ، كقولهم: هلم، تعال، باتفاق المعاني، ويعارض صبحي الصالح الطبري حيث يرى أن
علماء الغرب يؤيدون وجهة نظر الطبري لحاجة في نفس يعقوب، وتشبث بلاشير بهذا يؤكد أن
نظرية قراءة القرآن بالمعنى بلا ريب أخطر نظرية في الحياة الإسلامية؛ لأنها سلمت
النص القرآن إلى هوى كل شخص يثبته على ما يهواه، وقال السيوطي اختلف في معنى
الحديث على نحو أربعين قولا، منها:
أنه من المشكل الذي لا يدري معناه؛
إذا الحرف يطلق على عدة معان، فيطلق على الهجاء والكلمة والمعنى والجهة.
أنه ليس المراد بالسبعة حقيقة العدد،
بل المراد التيسير والتسهيل.
أن المراد بها سبع قراءات.
أن المراد بها الأوجه التي يقع بها
التغاير، كما يرى ابن قتيبة وابن الجزري.
وأما الزرقاني، فقال: الكلام لا يخرج
عن سبعة أحرف في الاختلاف:
1. اختلاف
الأسماء من إفراد، وتثنية، وجمع، وتذكير، وتأنيث، مثل قوله تعالى: (والذين هم لأمنتهم وعهدهم راعون( [ المعارج : 32] وقرئ هكذا (لأمانتهم( بالإفراد.
2. اختلاف
تصريف الأفعال من ماض ومضارع وأمر، مثل قوله تعالى:{ فقالوا ربنا بعد بين أسفارنا } [ سبأ: 19] قرئ بنصب (ربنا( على أنه منادى،
وبلفظ(باعِد(، فعل
أمر للدعاء، وقرئ (ربنا بعد( برفع (رب( على أنه مبتدأ
وبلفظ (بعد( فعلا ماضيا مضعف العين جملته خبر.
3. اختلاف
وجوه الإعراب، مثل تعالى: ( ولا يضار كاتب ولا شهيد( [ البقرة : 282]بفتح الراء على أن (لا( ناهية فالفعل
مجزوم بعدها، والفتحة الملفوظة هي فتحة إدغام المثلين، وبضم الراء على أن (لا( نافية فالفعل
مرفوع بعدها.
4. الاختلاف
بالنقص والزيادة، مثل: (وما خلق الذكر والأنثى( [ الليل : 3] وقرئ (والذكر والأنثى( بنقص كلمتي (ما
خلق(.
5. الاختلاف
بالتقديم والتأخير، مثل قوله تعالى:(وجاءت سكرة الموت بالحق( [ ق: 19] وقرئ (وجاءت سكرة الحق بالموت(
6. الاختلاف
بالإبدال، مثل قوله تعالى: (وانظر إلى العظام كيف ننشزها } [ البقرة : 259] بالزاي وقرئ (ننشرها(.
7. اختلاف
اللهجات كالفتح والإمالة، والترقيق، والتفخيم، والإظهار والإدغام وغير ذلك.
وذكر الزرقاني أسباب اختياره لهذا
المذهب، قائلا: تم اختيار هذا المذهب لأمور أربعة:
1-
إنه تؤيده الأدلة من الأحاديث
الواردة بهذا الخصوص.
2-
إنه هو الراجح من خلال الموازين التي
أقيمت واستفيدت من تلك الأحاديث.
3-
إن هذا المذهب يعتمد الاستقراء التام
لاختلاف القراءات، وما ترجع إليه من الوجوه السبعة.
4-
إن هذا الرأي لا يلزمه محذور من
المحذورات، التي يستهدف لها الأقوال الأخرى.
ثالثا: معنى الأحرف في الحديث:
الأحرف: الأوجه، أي أن القرآن أنزل
على سبعة أوجه، لقوله تعالى:)ومن الناس من يعبد الله على حرف( [ الحج : 11] فالمعنى أن يقرأ القارئ القرآن على
سبعة أوجه، وليس المراد أن كل كلمة من القرآن تقرأ على سبعة أوجه.
وبعد دراستنا لأقوال العلماء حول
المراد بالأحرف السبعة، يبدو أن التفسير الذي ذكره الزرقاني والمنسوب إلى الرازي
هو أصوب التفاسير،لأنه بعد الاستقصاء والتتبع لبقية الآراء، وجدنا أنه لا يصح
الاقتصار على أحد الآراء السابقة لعدم موافاته بالمقصود؛ أما هذا رأي فقد جاء
جامعا لآراء ابن قتيبة وأبي بكر الباقلاني وابن الجزري وغيرهم، إضافة إلى أنه قد ضم الوجه اختلاف
اللهجات.
رابع: الحكمة من نزول القرآن على سبعة أحرف:
للتخفيف على هذه الأمة، وإرادة اليسر
بها، والتهوين عليها شرفا لها، وتوسعة ورحمة وخصوصية لفضلها، وإجابة لقصد نبيها.
خامسا: فوائد الاختلاف في القراءة
وتعدد الحروف:
إن في فائدة اختلاف قراءات كثيرة،
منها: ما في
ذلك من نهاية البلاغة وكمال الإعجاز، وغاية الاختصار، وجمال الإيجاز؛ إذ كل قراءة
بمنزلة آية، وما في ذلك من عظيم البرهان وواضح الدلالة؛ إذ هو مع كثرة هذا
الاختلاف وتنوعه لم يتطرق إليه تضاد ولا تناقض، بل كله يصدق بعضه بعضا، ويبين بعضه
بعضا، بالإضافة إلى سهولة حفظه وتيسير نقله على هذه الأمة، وإعظام أجورها، وبيان
فضلها وشرفها، ومن الفوائد أيضا بيان حكم من
الأحكام،كقوله:)وإن كان رجل يورث كلالة أو امراة وله أخ أو أخت فلكل واحد
منهما السدس ( [ النساء : 12] قرأ سعد بن أبي وقاص:{وله أخ أو أخت من أم} بزيادة لفظ(من أم( فتبين بهذه
القراءة أن المراد بالأخوة في هذا الحكم هم الأخوة لأم دون الأشقاء. ثمالجمع بين حكمين مختلفين بمجموع القراءتين،
كقوله تعالى )فاعتزلوا
النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن ( [ البقرة :
222]
وقرئ بالتخفيف والتشديد في حرف الطاء من كلمة (يطهرن( فصيغة التشديد
تفيد المبالغة في طهر النساء من المحيض، لأن زيادة المبني زيادة في المعني، أما
قراءة التخفيف فلا تفيد هذه المبالغة. والدلالة
على حكمين شرعيين، ولكن في حالتين مختلفين،كقوله تعالى في الأعضاء التي
يجب غسلها في الوضوء: (فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم
وأرجلكم إلى الكعبين ( [ المائدة : 6] قرئ بنصب للفظ (أرجلكم ( وبجرها،
فالنصب يفيد طلب غسلها، لأن العطف يكون حينئذ على لفظ (وجوهكم (،والجر يفيد
طلب مسحها،لأن العطف يكون حينئذ على لفظ(رءوسكم(، بيان لفظ مبهم على البعض نحو قوله تعالى:)وتكون الجبال كالعهن المنقوش( وقرئ(كالصوف المنفرش(ف بينت القراءة أن العهن هو الصوف.
سادسا: المصاحف العثمانية وبقاء
الأحرف فيها:
قال ابن الجزري: اختلف العلماء في
هذه المسألة إلى قولين: ذهبت جماعة من الفقهاء والقراء إلى أن المصاحف العثمانية
مشتملة على جميع الأحرف السبعة، وبنوا ذلك على أنه لا يجوز على الأمة إهمال نقل
شيء من الأحرف، وقالوا: لا يجوز أن يجمعوا على ترك شيء من القرآن، وذهب الجمهور من
السلف والخلف، إلى أن هذه المصاحف مشتملة على ما يحتمله رسمها من الأحرف السبعة
فقط، جامعة للعرض الأخيرة، متضمنة لها لم تترك حرفا منها، ثم قال ابن الجزري: هذا
القول هو الذي يظهر صوابه لأن الأحاديث الصحيحة والآثار المشهور المستفيضة تدل
عليه وتشهد له، ويقول دراز: الطبعة العثمانية لا تتضمن جميع القراءات التي قد يكون
الرسول صلى الله عليه وسلم قد علمها للناس باسم السبعة أحرف.
المبحث الثاني: مطاعن المستشرقين في القراءات القرآنية.
المتتبع لدراسات المستشرقين حول
القراءات القرآنية، يجد أن النتائج التي توصلوا إليها تجافي الحقيقة التي كان
عليها أمر هذه القراءات، لسبب بسيط هو أن هذه الدراسات لم تأخذ بوجهة النظر
الإسلامية القائمة أساسا على أن مرد الاختلاف فيها إلى النقل والرواية من الرسول صلى
الله عليه وسلم، فليس منشأ الاختلاف فيها عائدا إلى اجتهاد القراء ورسم الخط
المصحف، كما يحلو لبعضهم قول ذلك، فالاختلاف في القراءات نشأ في عهده صلى الله
عليه وسلم، وليس أدل على هذه الحقيقة مما جرى بين الصحابة من اختلاف فيها ثم
مراجعة الرسول حوله وتصوبيه، فالقراءات إنما هي توقيفية، والأصل فيها النقل
والتلقي والرواية، ورسم المصحف وغيره مما تعلل به المستشرقون إنما هو تابع لذلك.
فقد أخطأ المستشرق جولدزيهر حينما
زعم أن الخط العربي في شكله البدائي الخالي من النقط والشكل كان السبب في نشأة
القراءات القرآنية، وأن الاختلاف فيها بين القراء كان نتيجة اجتهادهم لهذا السبب،
ليس أدل على بطلان ما ذهب إليه جولدزيهر من أن القراءات إنما نشأت أساسا من النقل
والرواية عن الرسول صلى الله عليه وسلم، وأن هذه القراءات كانت معروفة عند الصحابة
في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، وتناقشوا فيها، واختلفوا وكانوا يرجعون
باختلافهم فيها إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، الذي كان يصوبهم فيه، فكما كان
القرآن محفوظا في صدورهم كانت تلك القراءات محفوظة معه، وظهور القراءات
القرآنية كان مع ظهور القرآن نفسه غير
متأخر عنه كما يزعم جولدزيهر، إذا فلا يعد الخط العربي المتداول في تلك المراحل
سببا في اختلاف القراءات، بل كان تجرده من النقط والشكل من العوامل المساعدة
لاستيعاب بعض القراءات، والأوجه التي نزل القرآن بها، ومما يدل على ذلك أيضا اتفاق
فقهاء بغداد على استتابة المقرئ ابن مقسم وإقامة محكمة له حينما ذهب إلى القول: إن
ما وافق خط المصحف العثماني صحت القراءة به، متى صح وجهه في العربية بقطع النظر عن
الرواية، وإقرائه بشواذ من الحروف، بالإضافة أنه لو كان رسم المصحف هو السبب في
نشأة القراءات وليست الرواية، لما رد العلماء تلك التصحيفات التي وقع فيها حماد الرواية
وغيره، واعتبروها قراءات منكرة مردودة بالاتفاق، فعلى الرغم من موقف العلماء
الواضح من هذه التصحيفات، وأنها ليست من القراءات في شيء، كتصحيف حماد الرواية،
لقوله تعالى:(
وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاَّ عَنْ مَّوْعِدَهٍ
وَعَدَهَا إِيَّاهُ(التوبة: 114 ، حيث
صحفها فقرأها (أباه ( بالباء الموحدة، يأتي جولدزيهر فيعده
قراءة.
أولا: تحميل القراءة ما لم تتحمله:
إن حرص جولدزيهر على التشكيك في
القراءات القرآنية بمحاولته إثبات أن تلك القراءات لم تكن إلا من محض اجتهاد
القراء، لا دخل للنقل والرواية فيها، ومن أجل تحقيق هذا الهدف، فقد يجده الباحث
يحمل القراءة ما لا تتحمله، مفسرا السبب الذي حمل القارئ على قراءة ما، في حين أن
القارئ بريء من ذلك، ومن الأمثلة على ذلك،ما رآه قتادة البصري أن الأمر بقتل النفس
أو قتل الآثمين في قوله تعالى:( فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ( (البقرة:54( هو من القسوة
والشدة بحيث لا يتناسب مع الفعل، فقرأ (فأقيلوا أنفسكم( أي حققوا
الرجوع، والتوبة من الفعل بالندم على ما فعلتم، هكذا ذهب جولدزيهر إلى القول: إن
قتادة قد ابتكر قراءة من محض اجتهاده بعد
أن رفض المعني الذي تفيده القراءة الأخرى، وبعد التتبع للقراءات الواردة في
الآية لم أعثر على قول ينسب إلى قتادة ما نسبه إليه جولدزيهر، لذا نستطيع القول: إن
هذا التصوير بالشكل الذي أورده جولدزيهر لم يكن إلا محض خياله هو، وإن قتادة لم
يقل برأي كهذا. فقد جاء في تفسير القرطبي: أن قتادة قرأ فيما نقل عنه (فأقيلوا
أنفسكم ( من الإقالة أي استقبلوها من العثرة بالقتل، ثم إن هذه القراءة منكرة، فلا تندرج
تحت القراءات الصحيحة، كما يحاول جوادزيهر إيهام ذلك، إضافة إلى أن قتادة الذي
احتج به جولدزيهر ليس من القراء.
ويمضي جولدزيهر زاعما أن القراء
يبتكرون القراءة إذا كان المعنى غير مستساغ عند أحد القراء، ويمثل بقوله تعالى:( إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا
وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا، لِتُومِنُوا بِالله وَرَسُولِهِ، وَتُعَزِّرُوهُ
وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاَ ((الفتح: 8-9( فبدلا من (وتعزروه( بالراء الذي
معناه: وتساعدوه، وقرأ بعضهم (وتعززوه( بالزاي بمعنى:
وتعظموه، وقال: أنا لا أستبعد أن يكون من دواعي تغيير النص خشية تصور أن الله
ينتظر من الناس مساعدة أو معونة.
لقد أخطأ جولدزيهر في تخريجه هذا من
ناحيتين:
ü
بعد التتبع لهذه القراءة، تبين أنها
ليست من القراءات السبع ولا الأربع عشرة، بل هي قراءة آحاد منسوبة لابن عباس فلا
يعتد بها، ولا يجوز الاعتماد عليها في الاستدلال، إلا أن جولدزيهر لا يميز بين
القراءة المتواترة والقراءة الشاذة والمردودة.
ü
إن كثيرا من المفسرين فسروا قوله
تعالى: (وتعزروه( أي تنصروه بتقوية دينه.
ثانيا: جولدزيهر وتفسير بعض الصحابة
لما غمض من الآيات:
انتقل جولدزيهر إلى الحديث عن
الزيادات التي ذكرها بعض الصحابة، تفسيرا لما غمض من الآيات، وقال بجرأة: لم يتضح
بعد هل هذه الزيادات من الأصل، أو أنها ليست منه، وكان القصد منها الإيضاح
والتفسير؟ فاعتبرها بعض المتأخرين أنها من الأصل وتبريرا لهذا روي عن بعض الصحابة
أنهم أجازوا ذلك، وإن لم يعتقدوه قرآنا، وتجدر الإشارة إلى أن حقيقة الأمر ما ذكره
ابن الجزري بقوله: نعم ربما يدخلون التفسير في القراءة إيضاحا وبيانا، لأنهم
محققون لما تلقوه عن النبي صلى الله عليه وسلم قرآنا، فهم آمنون من الالتباس، وربما
كان بعضهم يكتبه معه، لكن ابن مسعود كان يكره، ويمنعه، ومن الأمثلة التي ذكرها جولدزيهر
لتدعيم موقفه من الزيادات، قوله تعالى:( حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ
وَالصَّلاَةِ الوُسْطَى ((البقرة: 238 ( ،قال: قد أقحم توضيح للمراد ب (الصلاة
الوسطى( في نص القرآن، فوجد في مصحف عائشة وحفصة:(حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى
وهي العصر(، فعلى هذا تكون تلاوة (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى( ناسخة للفظ
رواية عائشة وحفصة،أو يقال: إن هذه قراءة على التفسير، أي حافظوا على الصلوات
والصلاة الوسطى وهي صلاة العصر.إن ما نقل عن عائشة رضي الله عنها إما أن يكون قد
نسخ، وإما أن يكون من قبيل الآحاد فلا يحتج به، لذا فادعاه جولدزيهر مفتقر إلى
دليل، بل الأخبار الصحيحة تفنده، فلا إقحام لهذه الزيادة كما زعم جولدزيهر في النص
القرآني.
ثالثا: قراءات دعا إليها الترادف في
اللغة:
يذكر جولدزيهر أن هناك نوعا من
القراءات دعا إليه الترادف في اللغة، في الواقع أن هناك قراءات شاذة، منها هذا
النوع من القراءات الذي عناه جولدزيهر، وهو مردود ما دام مخالفا للمصاحف
العثمانية، أو هو من قبيل التفسير الذي لا بمكن اعتباره قرآنا، قال أبو حيان في
قوله تعالى:(وَأَتِمُّوا الحَجَّ وَالعُمْرَةَ لِلَّهِ ((البقرة:196( قرا علقمة (وأقيموا
الحج( وقرأ ابن مسعود (وأقيموا الحج
والعمرة للبيت(، وينبغي أن يحمل هذا كله على التفسير،
لأنه مخالف للمصحف الذي أجمع عليه المسلمون، ولم يقل أحد بجواز وضع كلمة مكان
أخرى، وإن كانت مترادفة، لأن الكلمة القرآنية لفظها ومعناها من الله تعالى.
رابعا: مخالفات جوهرية بين بعض
القراءات على حد زعم جولدزيهر:
يزعم جولدزيهر أن هناك اختلافات
بعيدة المدى، تحدثها تغييرات لفظية، لا تقدم مجرد تأويل بسيط والدلالة، بل تقدم
مسخا تاما للقراءة المشهورة، وابن مسعود هو السند المذكور كثيرا في مثل هذه
القراءات، فهو يقرأ قوله تعالى:(صفراء لذة للشاربين( بدلا من ( بَيْضَاء
لَذَّةً لِلشَّارِبِينَ ((الصافات:46( وغير ذلك من
الأمثلة، في الحقيقة إن ما ساقه جولدزيهر من الأمثلة، لا يخرج عن أمثلته السابقة
من أنها قراءات شاذة جاءت مخالفة للقراءات متواترة، وبالتالي فلا يعتد بها، ولا تخرج
تلك القراءات المنسوبة إلى ابن مسعود من كونها شاذة، وأخبار آحاد لا تثبت
قرآنيتها،فلا تناقض في القرآن ولا فن قراءاته، ولم يستطع أحد إثبات مثل هذا
التناقض في الماضي ولا في الحاضر ولا في المستقبل، أما ما يوجد من تعارض ظاهري بين
الآيات، أو فليس تعارضا إلا فيما يظهر لغير متأمل أو مغرض مثل جولدزيهر.
خامسا: من أخطر نظريات جولدزيهر حول
القراءات:
حيث يرى أن بعض الاختلافات في
القراءة ترجع أسبابها إلى الخوف من أن تنسب إلى الله ورسوله عبارات تمس الذات
الإلهية أو الرسول، أو مما يرى أنه غير لائق بهذا المقام، وهنا قد يترك النص
المشهور، ويؤتى بقراءة جديدة بدافع تنزيه الله عما لا يليق به،ثم ذكر جملة من
الأمثلة على عد هذا الزعم منها:(شهد الله أنه لا إله إلا هو
والملائكة و أولوا العزم ( (آل العمران:18(،
حيث أدرك البعض
ما تثير شهادة الله لنفسه، وكيف يشهد لنفسه؟ فعالجه ذلك بالاستعاضة عن قراءة الفعل
(شهد الله( بصيغة الجمع (شهداء الله( رابطا ذلك
بالسياق في الآية السابقة على أن يكون المعنى: الصابرين والصادقين، شهداء الله أنه
لا إله إلا هو والملائكة، ثم قال: على أن الذين أقدموا على ذلك للتنزيه قد لا
يتمكنون من ذلك لصعوبة التعديل في موطن آخر مثل آية 166 من سورة النساء ( لكن الله يشهد بما أنزل إليك(.
هكذا نرى جولدزيهر يصر على أن
القراءات إنما كانت نشأتها من رأي واجتهاد القراء، دون نقل ورواية، مستهدفا بذلك
إثارة الشك في القراءات القرآنية، وهذا هو أحد الأهداف الإستشراقية في دراسة القراءات
القرآنية، هكذا يعبر جولدزيهر عما في خياله حينما يصدر هذه الأحكام القائمة على
هوى النفس بعيدة عن أي مستند له في عالم الواقع.
سادسا: قراءة زيد بن ثابت وجولدزيهر:
يحاول جولدزيهر التشكيك في قراءة
زيد، التي كتب عليها المصحف العثماني للإشادة بقراءة ابن مسعود وأبي بن كعب، فيزعم
أن الأخذ بقراءة ابن مسعود وقراءة أبي كعب أولى من قراءة زيد، لأن النبي صلى الله
عليه وسلم كان يثني عليهما في القراءة والإقراء والحفظ، لقد اجتمع في زيد من
المؤهلات التي رشحته للقيام بهذه المهمة ما لم يجتمع في غيره، ولهذا فقد انتهت
إليه الرياسة في القراءة، أما ثناء النبي صلى الله عليه وسلم على ابن مسعود وأبي
بن كعب فلا يمنع أن غيرهما كان أحفظ منهما.
إن النهج الذي درج عليه المستشرقون
في بحث القراءات منهج غير سليم مما جعلهم يقعون في أخطاء كثيرة، لسبب بسيط وهو
أنهم لم ينظروا إلى تلك القراءات نظرة علماء المسلمين المتمثلة في أن القراءات
تلقاها الخلف عن السلف إلى أن انتهت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي تلقاها
وحيا من ربه.
إن جولدزيهر كغيره من المستشرقين،
ينطلق في نظرته إلى القراءات القرآنية من منطلق ومبدأ أن القرآن أنما كان من صنع
محمد صلى الله عليه وسلم، فلا يرى بأسا أن ينسب تلك القراءات إلى القراء،ويدعي
أنها من صنع العلماء المسلمين.

تعليقات
إرسال تعليق