تلخيص الفصل السابع من كتاب: "المستشرقون والقرآن الكريم" للدكتور محمد بهاء الدين حسين
الفصل السابع: المستشرقون وترجمة القرآن الكريم.
المبحث الأول: التعريف بالترجمة وحكم ترجمة القرآن الكريم وآراء علماء المسلمين حولها.
أولا: التعريف بالترجمة لغة: ترجم كلامه إذا فسره بلسان آخر،
جاءت كلمة الترجمة في اللغة للدلالة على أحد معاني الأربعة، هي: تبليغ الكلام لمن
لم يبلغه، تفسير الكلام بلغته التي جاء بها، تفسير الكلام بلغة غير لغته، نقل
الكلام من لغة إلى أخرى. والترجمة عرفا: نقل الكلام من لغة إلى أخرى، وهي بهذا
المعنى تنقسم إلى قسمين: الترجمة حرفية، وترجمة تفسيرية.
الترجمة الحرفية: هي التي تراعي فيها
محاكاة الأصل في نظمه وترتيبه.
الترجمة التفسيرية: هي التي لا تراعى
فيها محاكاة الأصل في نظمه وترتيبه، بل المهم فيها حسن تصوير المعاني والأغراض
كاملة.
فبناء على هذه التفرقة، يمكن القول:
أن الترجمة الحرفية للقرآن ترجمة قاصرة تشوه معاني الآيات، فهي ترجمة مستحيلة إذ
إنها لا تبين إعجاز القرآن ولا تظهر بلاغته، ولا تشير إلى قوة تأثيره، أما الترجمة
التفسيرية فهي وحدها القادرة على تفسير آيات القرآن، ومحاولة إظهار بلاغته
وإعجازه، وإدراك المعاني من السياق وليس من ظاهر اللفظ وحده، ولهذه الترجمة شروطا
أربعة، هي:
1.
معرفة المترجم لأوضاع اللغتين، لغة
الأصل ولغة الترجمة.
2.
معرفة المترجم لأساليب اللغتين
وخصائصهما.
3.
وفاء الترجمة بجميع معاني الأصل
ومقاصده على وجه مطمئن.
4.
أن تكون صيغة الترجمة مستقلة عن
الأصل، بحيث يمكن أن يستغنى بها عنه، وأن محله، كأنه لا أصل هناك ولا فرع.
ثالثا: حكم ترجمة القرآن وقراءتها
على المذاهب الأربعة:ف
يما يأتي عرض موجز لآراء المذاهب،
حول موضوع ترجمة القرآن.
ü
الحنفية: استقر رأيهم على منع جواز
ترجمة القرآن الكريم، وأن ما نقل عن الإمام في جواز ذلك فقد رجع عنه.
ü
المالكية: قالوا لا تجوز قراءة
القرآن بغير العربية، بل لا يجوز الصلاة بغيرها، فإن عجز عن ذلك وجب عليه أن يأتم
بمن يحسنها.
ü
الشافعية:قالوا لا تجوز قراءة القرآن
بغير لسان العرب سواء أمكنته العربية أم عجز عنها، وسواء كان في الصلاة أو في
غيرها.
ü
الحنابلة: قالوا لا تجزئ القراءة
بغير العربية ولا إبدال لفظ عربي سواء أحسن القراءة بالعربية أو لم يحسن.
هكذا يتضح أن أصحاب المذاهب يرون عدم
جواز ترجمة القرآن ترجمة حرفية أو لفظية لتعلق الإعجاز بلفظه ومعناه معا.
رابعا: حكم ترجمة القرآن الكريم لدى
العلماء المسلمين في العصر الحديث:
لقد ظهرت دراسات في العصر الحديث
لبعض علماء المسلمين حول حكم ترجمة القرآن بعد أن برزت إلى الميدان، واحتدم النقاش
بين العلماء حولها، منهم من يحرمها ومنهم من يجيزها بل ويوجبها، ولكل فريق من
الفريقين أدلته، كما أن هدف كل فريق هدف نبيل لا يخرج عن كونه خدمة للإسلام وحفاظا
على القرآن.ومن تلك الدراسات، دراسة محمد رشيد رضا أبدى فيها رأيه، فقال: إن ما
ترتب على الترجمة من صلاح وفساد يوجب على علماء المسلمين وجوبا كفائيا أن يزيدوا
ما كان من صلاح قوة وتأييدا، وأن يفندوا ما حدث من الفساد تفنيدا، إنما يكون ذلك
بترجمته بتلك اللغات ترجمة معنوية صحيحة، إذا كانت الترجمة الحرفية متعذرة، وهذه
الترجمة لا تسمى قرآنا ولا يتعبد بتلاوتها، إنما هي خلاصة تفسيرية له، تدخل في باب
الدفاع عن دين الإسلام والدعوة إليه، وهذه الترجمة لا يرجى أن تكون مقبولة عند
المسلمين إلا إذا قام بها جماعة من علماء اللغة وعلوم الشريعة، ومتيقنين اللغة
التي يترجمون إليها.وكذلك دراسة محمد سعيد الباني التي انتهى فيها إلى
القول بمنع وحرمة ترجمة القرآن، واستند في ذلك إلى مجموعة من أدلة وبراهين، ووافقه
محمد سليمان ومحمد الههياوي، والشيخ الظواهري.
وأما الذي دعا إلى ترجمة القرآن ترجمة
صحيحة كاملة وتحمس لهذه الفكرة، فهو محمد فريد وجدي حيث يرى أنه لا مانع من ذلك من
جهة النقل والعقل، لأن القرآن أنزله الله بلسان عربي، إن مصلحة الدعوة تحفزنا أن
نبلغه بكل وسيلة تصل إليها قدرتهم،بالإضافة إلى أن الأوربيين ترجموا القرآن ترجمات
سقيمة لابد من تقويمها وعدم تركها على حاله، وأن المستشرقين كانوا هم الجهة
المستفيدة من عدم قيام المسلمين بترجمة القرآن،ووافقه في ذلك محمد حميد الله، وقد
ذهب الأزهر إلى نفس هذا المذهب، والذي يترجح استحالة ترجمة القرآن حرفية أو
لفظية، وتحريم مثل هذه الترجمة، لافقادها الإعجاز اللفظي والنظمي للقرآن، أما
الترجمة التفسيرية، فليس فيها أي محظور شرعي، على وفق الشروط المطلوبة، وذلك
بتكليف ذوي الكفاءة معروفين بتقواهم وحبهم للإسلام، للقيام بهذه المهمة الخطيرة،
وإن هذه الترجمات في حكمها شرعا لا تختلف عن تفسير القرآن باللغة العربية، لأنها
لا تعدو كونها تفسيرا لمراد الله تعالى بقدر الطاقة البشرية بلغات أجنبية.
المبحث الثاني: مراحل ترجمة القرآن الكريم وتطورها والغاية منها.
أولا: المحاولات الأولى لترجمة
القرآن:
لا يعرف على وجه التحديد من أول
مترجم للقرآن الكريم ومتى كان ذلك؟ وتتعذر الإجابة عن هذه التساؤلات،لكن من المؤكد أن محاولات جرت في وقت
مبكر لترجمة بعض آياته نتيجة لظهور الإسلام،إذ من المعلوم أنه كانت تسكن أمم
الأراضي المجاورة للجزيرة العربية، فلا بد أن حصلت تساؤلات من قبل تلك الأمم،
وحصلت إجابات عنها عن طريق ترجمة بعض من آياته، ولكن لم نعثر على شيء مكتوب، أما
الذي وصلنا عن أقدم ترجمة فهو ما تشير إليه المصادر من أن القرآن قد ترجم في عهد
هشام بن عبد الملك إلى اللغة السريانية وهي لغة ذلك العصر.
ثانيا: ترجمات القرآن الأولى إلى
اللغات الأوروبية:
الترجمة اللاتينية الأولى:أول وأقدم ترجمة كاملة للقرآن هي
التي دعا إليها بتر المبجل، وتولاها بتر الطليطلي وهرمن الدماشي وروبرت كينت،
بمعاونة عربي مسلم يدعى محمد،وكان لهذه الترجمة أثرا عمليا في إزالة كل أثر
للقرآن، وحيث أنها كانت خالية من الأمانة العلمية وامتلأت بالتحريف،وقد انتشرت
الترجمة اللاتينية بين الأوروبين، فكانت هي الأصل التي اعتمدت عليها الترجمات
الأوربية الحديثة،فنقلته مع ما فيه من أكاذيب إلى ألسنتها المتعددة كالإيطالية
والألمانية والهولندية والفرنسية والإنجليزية وغيرها.
الترجمة الإيطالية الأولى:عن ترجمة بتر المبجل لا عن الأصل
العربي للقرآن، قام أريفابيني بترجمة القرآن إلى الإيطالية.
الترجمة الألمانية الأولى:عن ترجمة بتر المبجل لا عن الأصل
العربي للقرآن، تمت الترجمة الألمانية التي قام بها سالمون أشفجر.
الترجمة الهولندية:عن الترجمة الألمانية الأولى التي
يعود أصلها إلى ترجمة بتر المبجل تمت ترجمة القرآن إلى اللغة الهولندية.
الترجمة الفرنسية:أول ترجمة للقرآن إلى الفرنسية هي
التي قام بها دورييه، وفازت هذه الترجمة بشهرة كبيرة رغم كل ما فيها من الشوائب،
وترجمت إلى الإنجليزية والهولندية والألمانية، ثم قام سافاري بعد ذلك بترجمة
فرنسية أخرى للقرآن.
الترجمة الإنكليزية عن الأصل العربي
مباشرة:وقد
قام بها جورج سيل، وحظيت بانتشار واسع منذ ظهورها حتى اليوم، إذ أعيد طبعها
باستمرار، وتمت ترجمتها إلى الألمانية. وهذه الترجمة امتلأت بالإفك واللغو
والتجريح.
ثالثا: أول ترجمة للقرآن حسب
التنزيل:
ظهرت لأول مرة ترجمة القرآن حسب
التنزيل، قام بها رودويل، اتبع فيها هذا المستشرق الترتيب الزمني حسب نزول الآيات
والسور، فبدأ ب:(اقرأ باسم ربك( وانتهى ب: (اليوم أكملت لكم دينكم(.
رابعا: ترجمة القرآن شعرا عاميا:
قام إدوارد هنري بالمر بإخراج ترجمة
للقرآن في قالب شعري عامي، زعما منه أن أسلوب القرآن أسلوب بدائي وعر مما يجب نقله
إلى العامية حتى يفهم،إن دل هذا على شيء، فإنما يدل على أن هذا المترجم رجل جاهل
غير أمين، عاجز عن فهم البلاغة القرآنية التي بلغت ذروة الإعجاز نظما وأسلوبا
ومعنى وتأثيرا وهدفا.
خامسا: ترجمات المسلمين للقرآن:
يقول محمد أحمد أبو فراخ:لم يقم مسلم
واحد بترجمة القرآن إلى اللغات العالمية إلا منذ قرن واحد تقريبا، عندما أدرك نفر
من الدارسين المسلمين من غير العرب حاجة أبناء جلدتهم إلى معرفة القرآن وأحكامه،
وعندما رأوا الفساد الشديد الذي يعم الترجمات التي قام بها المستشرقون، لقد فرض
هذا الموقف على هؤلاء الرجال،فكان أول مسلم يضع ترجمة إنكليزية للقرآن هو محمد عبد
الحكيم خان سنة 1905م،وأقدم ترجمة أردية هي التي قام بها
شاه عبد القادر بدلهي سنة 1826م، ومنذ ذلك الحين برزت ترجمات كثيرة
بالأردية، أما أول مسلم غربي ترجم القرآن
فهو مارمدوكبكثال الذي ترجمه إلى الإنكليزية، وظهرت هذه الترجمة لأول مرة سنة 1930م، وترجمت إلى البنغالية عام 1938م في حيدر آباد.
سادسا: تعدد اللغات المترجم لها:
لقد كثرت الترجمات وتعددت اللغات
التي ترجم إليها القرآن، حيث بلغت بإحصاء بعض الباحثين مائة وعشرين ترجمة، في خمس
وثلاثين لغة، وتكرر طبع هذه الترجمات حتى إن ترجمة جورج سيل طبعت أربعا وثلاثين
مرة، وأوفر هذه الترجمات وأكثرها طبعا هي الترجمات الإنكليزية فالفرنسية
فالألمانية فالإيطالية.
سابعا: الغاية من ترجمة القرآن:
من المؤكد أن مشروع ترجمة القرآن في
الغرب في مراحلها الأولى كان يدخل ضمن المخطط المعد والرامي إلى تشويه صورة
الإسلام، فسخرت كل إمكانيات المادية والمعنوية للحيلولة دون اطلاع الشعوب الأوربية
على الإسلام، وذلك بالإقدام على ترجمة القرآن ترجمة مزيفة،ومن هنا نجد أن
المستشرقين الذين كتبوا بحوثهم عن الإسلام، اعتمدوا هذه الوسيلة، فكانت منطلقاتهم
جميعا الادعاء بنصرانية الأصل أو يهودية الأصل الذي استقى منه القرآن مادته، وما
القرآن إلا من صنع محمد صلى الله عليه وسلم وأنه متناقض، وليس بكتاب من عند الله
تعالى.
المبحث الثالث: عجز المستشرقين عن فهم القرآن
وترجمته، وعينات من ترجمتهم تكشف أخطاءهم.
أولا: عجز المستشرقين عن فهم القرآن
وترجمته.
إن المستشرقين ترجموا القرآن ترجمات
ناقصة كثيرة التحريف، لأن المترجمين منهم لم يستطيعوا فهم النصوص القرآنية، وظلت
صعوبة اللغة العربية حائلا دون فهمهم الإسلام بشكل عام، حتى إن الكاتب كارليل المعروف
باعتداله وانصافه تجاه الإسلام، يقول عن القرآن: إنه كلام ركيك ثقيل على النفس،
لولا ما يحتمه الواجب العلمي على الدارس الأوربي ما استطاع صبرا على قراءته،ويؤكد
بعض المستشرقين أن المترجمين للقرآن هم من الطبقة الثانية أو الثالثة أو الرابعة
بالنسبة إلى الملمين منهم باللغة العربية.كماأن عمل هؤلاء المستشرقين لم يكن قائما
على مبدأ العمل المتجرد والنزيه، كيف يكون عملهم كذلك ومعظمهم فاقد لهذه الميزة
العلمية النبيلة؟
ثانيا: من أقوال بعض المستشرقين حول
ترجمة القرآن.
من بين المستشرقين نجد من يعترف
بصعوبة ترجمة القرآن، وبأنها تذهب حسن الصناعة، وتفقد الآيات بلاغتها، يقول
المستشرق ألفريد جيوم: القرآن من النصوص الأدبية التي لا يمكن ترجمتها دون أن تفقد
قيمتها، أما المستشرق جب، فيقول: الواقع أن القرآن لا يمكن ترجمته بشكل أساس، إذا
ليس بالإمكان التعبير عن مكنون القرآن باللغة العادية، أما المستشرق كارليل،
فيقول: إن الترجمة تذهب بأكثر جمال الصنعة وحسن الصياغة، ولذلك: إن الأوربي يجد
قراءة القرآن أكثر عناء فهو يقرأه كما يقرأ الجرائد.
ثالثا: عينات من ترجمة المستشرقين
تكشف أخطاءهم.
إن ترجمة القرآن الحرفية مستحيلة،
حيث إنها لا تسلم من الإخلال بمعانيه، أو تحريف في نصه،ومن عينات الترجمة الحرفية
المحرفة: قال تعالى: (في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا(، المقصود من
المرض في الآية هو الشك والنفاق، وغيرها من الرذائل الخلقية، ولا يراد منه الحالة
التي تنتاب الجسم، لكن المترجمين ترجموا كلمة المرض ترجمة حرفية فلم تعط المعنى
المقصود من الآية، وترجم آثر جفري الخير في قوله تعالى:(وإنه لحب الخير لشديد (على أن الخير هو الأعمال الصالحة،
ولكن المراد به هنا المال.وكما أنه ترجمقوله تعالى:( وءاتينا ثمود الناقة مبصرة(، فقال أن الناقة كانت مبصرة ولم تكن
عمياء، مع أن المراد أن الله جعل الناقة آية مبصرة بينة، لكن المترجم قام بنقل
الظاهرة.
نكتفي بهذا القدر المحدود كعينات في
معرض الاستدلال على استحالة الترجمة الحرفية، وعلى الأخطاء الكثيرة التي وقع فيها
المترجمون نتيجة عدم إلمامهم الكافي باللغة العربية والعلوم الإسلامية، وعدم
اعتمادهم على تفاسير علماء المسلمين، لذا يبدو للباحث أن المترجمين الذين اعتمدوا
على تفاسير المسلمين هم أقل أخطاء وأكثر صوابا في ترجماتهم مثل مارمدوك وعبد الله
يوسف علي، والدكتور محمد تقي الدين الهلالي، والدكتور محمد محسن خان وغيرهم.

تعليقات
إرسال تعليق